خلال أقل من 24 ساعة، كشف ثلاثة مسؤولين إسرائيليين، كلٌّ بتصريحاته، عن نوايا دولة الاحتلال وراعيها الأمريكي تجاه قطاع غزة. وأثبتت التطورات أن غزة لم تعد مجرد شوكة في خاصرة الدولة العبرية، بل باتت، وفق الرؤية الإسرائيلية، تهديدًا وجوديًا، ولا سبيل إلى اقتلاع هذا التهديد إلا عبر «الكيّ». والمقصود بالكي هنا تهجير سكان القطاع، بالقوة إذا اقتضى الأمر، أو فتح باب تحت مسمى «الهجرة الطوعية» إذا تعذر التهجير القسري.


ويقول محمد سعد عبد الحفيظ، الكاتب في «المنصة»، إن تصريحات المسؤولين الإسرائيليين خلال الأيام الأخيرة تكشف عودة مشروع تهجير الفلسطينيين من غزة إلى الواجهة، بالتوازي مع استمرار إسرائيل في السيطرة العسكرية على أجزاء واسعة من القطاع ورفضها الانسحاب منه.


الأربعاء الماضي، وبينما كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتفقد قواته داخل غزة ويؤكد أن إسرائيل لن تنسحب من القطاع، كان وزير دفاعه، في الوقت نفسه، يكشف عن خطط جرى إعدادها بالفعل لإخراج الفلسطينيين من غزة.


وتحدث نتنياهو من خلف «الخط الأصفر» الذي يفصل المناطق التي تنتشر فيها القوات الإسرائيلية عن تلك التي لا تزال خاضعة لإدارة حركة حماس، قائلًا: «نحن نسيطر على هذه المنطقة. لن نتراجع. سنبقى عند هذا الخط».


وفي مؤتمر استضافته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، ذهب وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى أبعد من ذلك، قائلًا: «في النهاية، لا يوجد حل حقيقي لغزة من دون هذه الهجرة».

 

وأضاف أن إسرائيل «منظمة ومستعدة لإخراجهم بحرًا وجوًا وبكل الوسائل الممكنة»، وأن الأمر يتوقف فقط على الحصول على الدعم الأمريكي وتحديد دول مستعدة لاستقبالهم.


وفي اليوم التالي، حدد وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير حجم الخطة، متحدثًا عن مشروع لإخراج نحو 1.86 مليون فلسطيني من القطاع خلال سبع سنوات.


وبحسب «يديعوت أحرونوت»، يعتزم بن غفير طرح خطة أطلق عليها اسم «الانفصال 710»، تقوم على ما يسميه «الهجرة الطوعية» من غزة، وتستهدف مغادرة 250 ألف فلسطيني خلال العام الأول، و1.11 مليون خلال ثلاث سنوات، و1.86 مليون خلال سبع سنوات. وطور الوزير المنتمي إلى اليمين المتطرف الخطة على مدار أشهر، ويعتزم جعلها محورًا أساسيًا في حملته الانتخابية، بينما يدفع حزب «عوتسما يهوديت» (القوة اليهودية) بها باعتبارها مطلبًا رئيسيًا في أي مفاوضات لتشكيل ائتلاف حكومي إسرائيلي مقبل.


وبحسب الصحيفة، توفر الخطة لكل فرد أو أسرة تغادر القطاع دولة وجهة، ووضعًا قانونيًا، وأوراقًا ووثائق وتأشيرات، وتمويلًا للسفر وسكنًا أوليًا، إلى جانب التدريب المهني والمساعدة في الحصول على وظائف ودعم يصل إلى 24 شهرًا.

 


التهجير يعود إلى الواجهة


تكشف التصريحات الثلاثة، مجتمعة، عن مشروع اعتقد البعض أنه تحطم أمام الرفض العربي والمصري. ويقوم هذا المشروع على ثلاثة محاور: الضغط على المقاومة حتى تسلم سلاحها، والاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من أراضي القطاع، ثم إفراغ غزة من سكانها. ووفق هذا التصور، يُضم القطاع إلى المحيط الأمني الإسرائيلي، وتعود المستوطنات إلى قلبه، وتتخلص الدولة الإسرائيلية نهائيًا مما تعتبره «صداعًا» مستمرًا.


ويشير عبد الحفيظ إلى أن عودة قضية التهجير إلى الصفحات الأولى، عبر تصريحات وخطط يطرحها قادة الاحتلال بصورة علنية، لا تكشف فقط المشروع الذي سوّقته واشنطن تحت شعارات «السلام» و«إعادة الإعمار»، وإنما تكشف أيضًا، بحسب الكاتب، مدى قصر النظر والتواطؤ الذي أبدته دول عربية وإسلامية عندما انخرطت في ما يراه فخًا نصبه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.


ويرى الكاتب أن هذا المسار ساعد إسرائيل على الخروج من عزلتها وتخفيف الضغوط الدولية التي كانت تتعرض لها، في وقت أصبح قادتها محل ملاحقة دولية على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.


وما جرى تسويقه باعتباره «خطة ترامب للسلام» لم يكن، وفق عبد الحفيظ، خطة لإنهاء الحرب، بل محاولة لإعادة تقديم المشروع الإسرائيلي في صيغة أكثر قبولًا وأقل فجاجة، بعدما أصبح التهجير المباشر والاحتلال العسكري الكامل أكثر تكلفة من الناحية السياسية لتسويقهما علنًا. ويرى أن شركاء واشنطن وحلفاءها الإقليميين انخرطوا في هذا المسار، وضغطوا على المقاومة لقبول الخطة والتخلي عن أوراق التفاوض التي كانت لا تزال بحوزتها.


وفي بداية ولايته الثانية، أثار ترامب ضجة عندما دعا نحو مليوني فلسطيني إلى مغادرة قطاع غزة الذي تحول إلى أنقاض، وطرح فكرة تحويل المنطقة الساحلية المدمرة إلى منتجع فاخر أطلق عليه «ريفييرا الشرق الأوسط».


وقوبلت الفكرة بمقاومة، خصوصًا من مصر، الدولة الوحيدة إلى جانب إسرائيل التي تشترك مع غزة في حدود برية، ما دفع ترامب إلى تجميدها والبحث عن بديل أكثر ليونة يمكن للحكومات العربية تقبله تدريجيًا.


وفي أكتوبر الماضي، طرح الرئيس الأمريكي خطة من 20 نقطة بشأن غزة تستبعد التهجير القسري، إلا أن وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس سارع إلى توضيح أن «ترامب لم يلغِ الفكرة، وإنما جمدها بينما يبحث عن دول مستعدة لاستقبال الفلسطينيين»، مضيفًا أن مصر لم تكن ضمن الخيارات المطروحة.

 


تحالف يميني أمريكي إسرائيلي من أجل التهجير


يخلص الكاتب إلى أن ما يجري يبدو منسقًا خطوة بخطوة بين واشنطن وتل أبيب، إذ يمثل تهجير الفلسطينيين من غزة هدفًا مشتركًا بين الحكومة الإسرائيلية اليمينية ذات التوجه الصهيوني والإدارة الأمريكية اليمينية.


وقبل أن يطرح ترامب خطته، كانت هناك، في أغسطس من العام الماضي، خطتان أخريان للسيطرة على غزة، إحداهما إسرائيلية والأخرى أمريكية.


وأقرت الحكومة الأمنية الإسرائيلية الخطة في أغسطس 2025، وكانت تنص على فرض سيطرة أمنية إسرائيلية كاملة على غزة، والقضاء على حماس ونزع سلاح القطاع، ثم إقامة إدارة مدنية لا تتبع حماس ولا السلطة الفلسطينية. وكان إخضاع مدينة غزة للسيطرة العسكرية ونقل سكانها إلى جنوب القطاع في صميم التصور الإسرائيلي.


وفي الوقت نفسه، كشفت صحيفة «واشنطن بوست» عن تصور أمريكي لإدارة غزة لنحو عقد، يقوم على إعادة الإعمار وتحويل القطاع إلى مركز صناعي وسياحي، وإنشاء «مدن ذكية»، وإعادة ترتيب ملكية الأراضي على نطاق واسع عبر رموز رقمية يمكن لأصحابها استبدالها بتمويل لحياة جديدة خارج القطاع أو، لاحقًا، بوحدات سكنية في المشروعات الجديدة.


ولم يكن هذا التصور أمريكيًا خالصًا، إذ شارك إسرائيليون في صياغته، وارتبط بمؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل. وكان الفارق بين المشروعين، في النهاية، يتعلق بالوسيلة فقط؛ إذ أرادت إسرائيل فرض رؤيتها بالقوة العسكرية والحصار والتجويع، بينما قدم التصور الأمريكي نسخة أكثر ليونة وقابلية للتسويق، عبر إعادة الإعمار والاستثمار والمدن الحديثة والتعويضات والإدارة الانتقالية والمساعدات.


وبعد انكشاف الخطتين، جاء دور ترامب لطرح نسخة ثالثة تحت عنوان أكثر جاذبية: «السلام».


وفي سبتمبر 2025، طُرحت خطة ترامب المكونة من 20 نقطة باعتبارها طريقًا لإنهاء الحرب، وتضمنت وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح الرهائن، وتدفق المساعدات، وانسحاب القوات الإسرائيلية، وترتيبات للحكم الانتقالي، وإنشاء «مجلس للسلام» للإشراف على المرحلة التالية. وكان نزع سلاح حماس والفصائل الفلسطينية وإنهاء دورها في إدارة غزة في صميم الترتيبات الأمنية والسياسية للخطة.


أما إقامة دولة فلسطينية، فظهرت، وفق الكاتب، باعتبارها ستارًا، من خلال مسار مشروط وغامض يرتبط بإعادة هيكلة السلطة الفلسطينية وتنفيذ قائمة طويلة من الإصلاحات السياسية والأمنية. وبعبارة أخرى، لم تفكك خطة ترامب المشروعين السابقين، وإنما أعادت صياغتهما داخل وثيقة تمتلك فرصة أكبر للحصول على قبول عربي ودولي.

 


الخداع مستمر.. وتهديد جديد على حدود مصر


كان الهدف من الخطة، بحسب عبد الحفيظ، إقناع العرب والفلسطينيين بأنها تمثل نهاية للحرب والمعاناة في القطاع. لكن مضمونها الفعلي يمنح إسرائيل ما عجزت عن انتزاعه بالقوة؛ فبمجرد استعادة الرهائن وجثامين القتلى الإسرائيليين، ينتهي أي دور سياسي أو عسكري أو أمني لحماس في غزة، بينما تُجبر الحركة وبقية فصائل المقاومة على تسليم أسلحتها. ويمهد ذلك الطريق أمام إخراج الفلسطينيين من أرضهم، بأي صورة قد يتخذها هذا التهجير في نهاية المطاف.


وتحت وطأة الكارثة الإنسانية في غزة والضغوط العربية والإقليمية المكثفة، قبلت حماس وفصائل المقاومة المسار المطروح باعتباره طريقًا لإنهاء الحرب، وسلمت أهم أوراق القوة التي كانت تمتلكها، بما في ذلك الرهائن وجثامين القتلى. لكن بمجرد أن نفذ الفلسطينيون جانبهم من الاتفاق، بدأت إسرائيل في المماطلة ورفضت تنفيذ التزاماتها.


وتعطلت المرحلة التالية، بينما واصلت القوات الإسرائيلية، التي لا تزال تحتل نحو 60% من القطاع، عرقلة التقدم، بل صعدت عمليات القتل والتدمير والاعتقال، في ظل صمت أمريكي واسع فُسر باعتباره ضوءًا أخضر يسمح للاحتلال بتنفيذ مخططه بهدوء، بعيدًا عن الضجيج الذي كان يمكن أن يعيد إسرائيل إلى موقع الدولة المنبوذة دوليًا.


ويرى الكاتب أن تنفيذ مشروع التهجير، بالصورة التي تسوقها إسرائيل والولايات المتحدة حاليًا تحت مسمى «الهجرة الطوعية»، يحقق لواشنطن وتل أبيب هدفين في وقت واحد. فالأمر لا يتعلق فقط بإفراغ القطاع من سكان تعتبرهم إسرائيل تهديدًا أمنيًا دائمًا، وإنما أيضًا بإزالة أي عائق قد يقف أمام القاعدة العسكرية الأمريكية التي تعتزم واشنطن إنشاءها في صحراء النقب، بعدما أثبتت القواعد الأمريكية في الخليج أنها تقع ضمن نطاق الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية.


وبحسب «وول ستريت جورنال»، تدرس القيادة المركزية الأمريكية نقل الأنظمة التشغيلية لقواعدها في البحرين والكويت والسعودية إلى إسرائيل. ومن بين الخيارات المطروحة إنشاء قاعدة أمريكية جديدة في النقب قادرة على استضافة القوات الأمريكية، بعد الأضرار التي لحقت بالمنشآت الأمريكية خلال المواجهة الأخيرة مع إيران.


وهكذا، لم يعد الأمر يتعلق فقط بإفراغ غزة، التي تمثل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي المصري، من سكانها، وإنما بإقامة قاعدة عسكرية أمريكية على مرمى البصر من الحدود المصرية، بما يحمله ذلك من تداعيات على دولة لا تزال تنظر إلى إسرائيل باعتبارها خصمًا استراتيجيًا، وتعتقد أن المواجهة معها مسألة وقت لا أكثر.


ويطرح ذلك، في ختام المقال، سؤالًا مباشرًا على مصر: ماذا سنفعل؟

 

https://almanassa.com/en/stories/33819